الشيخ محمد رشيد رضا
500
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مالا يغني عنه التوسع في دقائق مسائل النجاسة والطهارة ، والسلم والإجارة ، فان العلم بسنن اللّه تعالى في عباده ، لا يعلوه الا العلم باللّه تعالى وصفاته وأفعاله ، بل هو منه أو من طرقه ووسائله . وقد فطن لهذا بعض حكماء العلماء فقال أبو حامد الغزالي في بيان القدر المحمود من العلوم المحمودة من كتاب العلم في الاحياء : وأما القسم المحمود إلى أقصى غايات الاستقصاء فهو العلم باللّه تعالى وبصفاته وأفعاله ، وسنته في خلقه ، وحكمته في توتيب الآخرة على الدنيا ، فان هذا علم مطلوب لذاته . ثم فضل أهل هذا العلم على جميع العلماء كالمتكلمين والفقهاء ، وأيده في ذلك العز بن عبد السّلام إذ استفتى فيه فأفتى بصحته . وبين الغزالي في غير هذا الفصل من فصول الباب الثاني من أبواب العلم ان هذا العلم هو الذي امتاز به عظماء الصحابة رضي اللّه عنهم وانه هو العلم الذي عناه عبد اللّه بن مسعود لما مات عمر بن الخطاب ( رض ) بقوله مات تسعة أعشار العلم ( ورواه أبو خيثمة في كتاب العلم بلفظ : إني لاحسب عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم ) أقول أما العلم باللّه تعالى وبصفاته وأفعاله فهو معراج الكمال الانساني ، وأما العلم بسننه تعالى في خلقه فهو وسيلة ومقصد ، أعني أنه أعظم الوسائل لكمال العلم الذي قبله ومن أقرب الطرق اليه ، وأقوى الآيات الدالة عليه ، وأنه أعظم العلوم التي يرتقي بها البشر في الحياة الاجتماعية المدنية فيكونون بها أعزاء أقوياء سعداء ، وانما يرجي بلوغ كمال الاستفادة منه إذا نظر فيه إلى الوجه الرباني والوجه الانساني جميعا ، وهو ما كان عمر ينظر فيه بنور اللّه في فطرته وهداية كتابه ، وأما أبو حامد فقد لاحظ الوجه الرباني فقط . وإن في سياسة عمر وفي كلامه لدلائل كثيرة على ما ذكرنا من بصيرته في هذا العلم . فنسأل اللّه تعالى أن يجعلنا من أهله وأن يجعله وسيلة لنا لتكميل أنفسنا ، واصلاح ما فسد من أمر أمتنا ، آمين إذا تدبرت هذا أيها القارئ فاعلم أن الاستدلال بما ورد من الاخبار والآثار في تفسير هذه الآية لا يدل هو ولا غيره من أحاديث الفتن والساعة على أن الأمة الاسلامية قد قضى عليها بدوام ما هي عليه الآن من الضعف والجهل ولوازمهما كما يزعم الجاهلون بسنن اللّه ، البائسون من روح اللّه ، بل توجد نصوص أخرى تدل على أن